الجمعة، 11 سبتمبر 2015

مقاربة مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلام البديل


يُعدّ التحوّل عبر التطوّر التكنولوجي هوّ جوهر الإعلام، ومايبدو اليوم جديداً يصبح قديماً بظهور تقنية جديدة، ألم يكن الإعلام جديدا مع ظهور الطباعة، والصحافة، والإذاعة، والتلفزيون كلّ ذلك لأن طبيعة التحوّل التي تقود إليها التقنية، في بعدها العلمي والإيديولوجي، تقتضي النّظر في أمر ما يسمّيه ماكلوهان بالحتميّة التكنولوجيّة. اذن مفهوم الاعلام الجديد هو في واقع الامر يمثل مرحلة انتقالية من ناحية الوسائل(2). ويبدو للباحثة مفهوم الاعلام البديل, من الافضل اعتماده Alternative Media اذ يستقي دلالته من جمهوريته، فالجمهور اتخذوا مواقع التواصل الاجتماعي بديلاً عن الوسائل الإعلامية التقليدية: ويقصد بها “الموقع الذي يمارس فيه النقد. وتولد أفكاراً وطرقاً جديدة للتنظيم والتعاون والتدريب بين إفراد المجتمع. وربما الأكثر أهمية، يشير الى أن البديل يتناول الموضوعات الحساسة في الآليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتوترات بين السيطرة والحرية، وبين العمل والبطالة، وبين المعارضة والحكومة”، “ومن ثم يتضاءل البديل إلى إن يصبح نمطاً، للاتصال الجماهيري”. وينحدر الإعلام البديل من مرجعية عفوية وغير منظمة تأخذ من مبدأ حرية التعبير والإستقلال عن كل الإلتزامات الأيديولوجية أو الإقتصادية القائمة دون أية قيود وهو ما يشير إلى أن الإعلام البديل هو حصيلة مواقف فكرية، تعمل بالإعتماد على قاعدة التشكل الذاتي. وبعيدا عن النظرة القيمية، يجب أن نتعامل مع هذه الظاهرة الإتصالية والإعتراف بها بحثيا وتأطيرها ضمن تحولات المثل الجماعية التى تشقها العديد من الإفرازات ومنتجة لسلطات رمزية خصوصية(1).
أما عند “جمعية النشر البديل” الأمريكية، فإنها تشير إلى معايير ثلاثة يمكن عن طريقها تمييز ما هو بديل عن ما هو سائد ومهيمن من الإعلام(2):
1- يجب أن لا يكون المنشور ذو صبغة تجارية. 2- يجب أن يتجه إلى تقديم عنصر المسؤولية الإجتماعية أي خدمة الصالح العام. 3- على الناشر أن يقدم نفسه بإعتباره ناشرا يعبر عن تيار الإعلام البديل.
عن طريق هذه المعايير في توصيف ما هو إعلام بديل نستشعر أن دعاة هذا التوجه يسعون أكثر لكسب رأسمال رمزي أكثر من إنخراطهم في تحقيق رأسمال مادي. يمكن عن طريق ما تبين إستدراك أن الإعلام البديل يقدم نفسه بشكل مثالي ويتسم بالنقاوة الفكرية والأيديولوجية. وهكذا يمكننا إعتبار أن الإعلام البديل كان وراءه المواطن العادي أو المواطن الذي يحمل بديلا راديكاليا وثوريا كما هو الحال مع المدونات عبارة عن إعلام مضاد للمشهد الإعلامي السائد.
ويسعى الإعلام البديل للتوصل الى حلول سياسية تسمح للشعوب بالتأكيد على تفردها الثقافي. وعلى الرغم من تنوع الآراء في استكشاف قدرته، فان ما يطلق عليه ليدبيتر “التفاؤل المقاتل” مطلوب، لان الابداع يشيع الأمل، ويقوم على التنوع والانفتاح، والاستقلال، والتقدم التراكمي لا الثوري، وليس امامنا الا الأمل في أن المجتمع لم يكتمل بعد، وأنه مازال يتطور ويتغير للافضل. ومن هنا فان مضمون الإعلام البديل هو تجريب “سياسات الأمل”(3).
ويمكن أن تزدهر فيه مبادرات المجتمع المدني، فتعددية الفاعلين وحدها هي التي يمكن أن تختار تنمية ثقافية ديموقراطية وتقديم هويات عدة، وافكار جديدة عن التقدم والتنمية، في فضاءات لم تكن تتلاءم يوما معها، ويمكن ان يكون نتاجا للمقاومة والثقافة المحلية.
وتقول ماكروبي أن “الإعلام البديل سياسة ترغب في تحويل نقاد اجتماعيين وسياسيين غاضبين الى ناجحين”(4).
ويمكن تحديد الاعلام البديل “الاجتماعي” “كنسق فكري وعملي يبحث عن الرقي بالمجتمع كفاعل أو كموضوع للاتّصال”. ويبدو أنّ الاعلام البديل وبشكل ملموس هو الفرصة للمجتمع المدني ليقدّم مكوناته المختلفة، ليتعرفوا بعضهم على بعض وليتحاوروا في ما بينهم، وهو الامكانية المفتوحة لكلّ مواطن للدخول بحرية وبفعالية للاتّصال مع مواطن آخر أو مجموعة أخرى في جوّ من التسامح والاحترام المتبادل"(1).
ويمكن أن تؤول هذه الآلية للاعلام البديل الفعلي الى مستويات عدّة(2):
1- البحث عن التفاعلية الحقيقية، “مشاركة الجمهور في فعل الاتّصال”. 2- نظرة مختلفة أو بديلة للحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. 3- أنماط معالجة اعلامية تخرج عن الأمور المطروقة. 4- يُعدّ متلقي الرسالة شريكاً جديراً باللاستقلالية، وليس متلقياً سلبياً. 5- لكلّ محاور الخيار بأن يجيب بطريقة لا تكون معدة سلفاً من قبل المرسل.
ويبدو أن للإعلام البديل مهمة تتمثل في وضع الأفراد المهمّشين والمجموعات في علاقة اتصال في ما بينهم. وايضاً رهاناً استراتيجياً، فهو لا ينفصل عن التنشيط الاجتماعي، إذ إنه في احترام الحرية الشخصية لِكُلّ فرد، فهو لذلك يستهدف تفعيل تجارب الحوار مابين الثقافات والاثنيات التي تتعايش وهي تتصادم وتتجاهل بعضها البعض.
وعلى الرغم من ذلك يفتقر الإعلام الى الوضوح، بالنسبة الى مجاله ومداه، ليس هناك اتفاق على حدود مقبولة، وكما يؤكد امبرتو ايكو: “في كل قرن، تعكس الطريقة التي تقوم عليها الاشكال الاعلامية الطريقة التي يرى بها العلم والثقافة المعاصرة الواقع”. وقد يعني هذا ان اشكال الإعلام الجديد تعكس علم الشك، والنسبية، والفوضى “الأوصاف المشتركة للثقافة المعاصرة”(3).
ويحاول “الاعلام البديل” التركيز على حرية الرأي والتعبير ولكن كفاعل منتصر لا كفاعل منهزم أي كفاعل إيجابي انفلتت أفكاره ومواقفه من سلطة الرقابة، عبر هامش الحرية التي يخلقها هذا الفاعل أو عن طريق مقولة “مجال اللايقين”(4).
ويقود الإعلام البديل ظاهرة إبراز الحقائق، وتتشكل الاجندة الإعلامية، عن طريق الأحداث البارزة التي تفرض نفسها. ولهذا يتوجب من المجتمع المدني بذل جهود كبيرة ليكون جزءاً من الاحداث، فيغري الإعلام ويخيف الحكام، وإعادة الأمور إلى نصابها ليست مستحيلة. وعندما نتحدّث عن الانترنت وعن الثورة الاتصاليّة وعن كيفيّة استثمارها وتوظيفها من قبل مكوّنات المجتمع، فإنّنا نتحدّث بالضرورة عن الصحف الالكترونيّة والمدونات ومواقع الفيس بوك وتويتر واليوتيوب وغيرها من التطبيقات، والتي لم تعدّ تنتظر الحصول على التأشيرة الحكوميّة ولم تعدّ القيود القانونيّة عائقا أمام تحرّكاتها، بل أصبحت تشكّل أهم مجال لتجاوز الخطوط الحمراء. ونظرا لنجاحها وقدرتها على التعبير عن مطالب وتطلّعات الفئات المهمّشة تشهد مواقع التواصل الاجتماعي تزايد في عددها وعدد مستعمليها، وأسهمت في الآونة الأخيرة في جذب الأنظار لعدد من القضايا أثارت الرأي العام وأرغمت حكومات كثيرة في اتخاذ قرارات ضد رغبتها.
وتم ازالة الحدود والصراعات السياسية الكثيرة على يد الإعلام البديل، وأهم إنجاز في الإعلام البديل هو الاهتمام بحق التعبير، مما ادى الى استثارة غضب الكثير من الحكومات العربية، وأصبحت تضع في حساباتها هذه الوسيلة. فتداول الأحداث ذات التوجه السياسي أرغم بعض الحكومات على اتخاذ قرارات أو التراجع عن قرارات بسبب الاحتجاج الجماهيري. ويوجد اصناف لمستعملي، “المتلقين او الجمهور”، الإعلام البديل(1):
الصنف الأوّل: وتمثله الطبقات الشعبيّة المهمشة والذين يستعملون في العادة الإشاعات والنكت الشعبية والسياسيّة كإعلام بديل لها، ولما يوفره لهم من حصانة وعدم المسائلة القانونيّة لأنّ عمليّة تناقل النكت والإشاعات لا تتضمّن اسم منتجيها، فضلاً عن إمكانية تحويرها من متقبّل إلى آخر، ونصبح لا نميّز بين الراوي والمنتج.
الصنف الآخر: وتمثله فئة النخب سواء أكانت منتمية للأحزاب السياسيّة أو لمنظمات المجتمع المدني أو كانت مجرّد شخصيات مستقلّة. ونظرا لامتلاكها المستوى التعليمي والموقع الاجتماعي المتميّز فإنّ إعلامها البديل يكون عادةٍ أكثر تطوّراً وأكثر انسجاماً مع مستحدثات المجتمع الذي يعيشون فيه، لاسيما وأنّهم يشكّلون الركيزة الأساس للمجتمع المدني.
الصنف الثالث، ويتمثل في فئة النخب الشبابيّة المهمّشة أي أصحاب الشهادات وخرّيجي الجامعات. وعرفت شكلين من التهميش، تهميش السلطة لها والمجتمع المدني وذلك لحرمانها من المواقع الاجتماعيّة المرموقة سواء داخل المجتمع أو داخل المجتمع المدني.
وأصبح الحديث عن قضايا الشأن العام لا يستقيم دون تفكيك آليات تشكل المجال الإعلامي، فالتعرض لمشاكل الناس محليا ودوليا هو كلام عن كيف نحاور الأنا والآخر، ولكل شخص الحق في تأسيس اعلامه. “وإن تحولات الإعلام العربي متعددة الأوجه ولاسيما الثقافية والسياسية وعلى أمل أن تتحول تدريجيا إلى هاجس فكري ذي صلة بقضايا تحديث المجتمع وليس فقط الوقوف عند دائرة التوظيف الحيني. إذ اصبح السياسي يفرد أهمية في إدارته للشأن العام لقيمة الإعلام، وكذلك عند فئات مجتمعية أخرى، ويعدّ هذا عنصر حيوي يجعلنا ندخل في حلقة جديدة إسمها تواصل الأفكار بين الناس وصاحب القرار وذلك بغض النظر عن وجاهة أو ضعف تلك الآراء. إن تحويل قضايا الشأن العام إلى هم يومي على واجهة وسائل الإتصال مرحلة مهمة لأي إمكانية للتغيير”. “ويؤدي عرض الأفكار حتماً للتعدد، والتعدد هو طريق التواصل والحوار بين الناس. وأصبحت شيئا فشيئا توجد رغبة ربما تبدو محتشمة لإعلان قضايا خلافية في المجتمع للعموم، وهو مدخل الديمقراطية والجدل الإجتماعي الذي يمكن عن طريقه القيام بالإصلاح والمصالحة بين النظام السياسي ورعاياه من زاوية تواصلية إعلامية، وأننا اليوم وإذا ما أردنا أن نفهم علينا أن لا نكون متفرجين بل أيضا ناقدين”(1).
وبالنسبة للعالم العربي الذي كان ولازال يشكو منذ مدة طويلة من تحيز الإعلام الغربي ضده ومن عدم قدرته على إيصال صورته الحقيقية إلى تلك المجتمعات الغربية فإنه لم يعد أمامه أي عذر يمكن ترديده، فشبكات الإنترنت فتحت المجال أمام الجميع لوضع مايريدونه على الشبكة ليكون متاحاً أمام العالم لرؤيته. المهم أن يكون هناك استعداد حقيقي للإستثمار في هذه الوسيلة والأهم من ذلك استثمارها بالشكل السليم والمناسب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- عبد الغني عماد،((سوسيولوجيا الثقافة- المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة))، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
 2- مجموعة مؤلفين،((التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية))، بيروت، مؤسسة الفكر العربي، 2008
. جون هارتلي وآخرون،((الصناعات الإبداعية))، ترجمة: بدر السيد سليمان الرفاعي، الكويت، عالم المعرفة، 2007م، ج.1
3- زاهر راضي، “استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي”، مجلة التربية، ع15 ، جامعة عمان الأهلية، عمان، 2003م.
4- د. عباس مصطفى صادق، “الاعلام الجديد: دراسة في مداخله النظرية وخصائصه العامة”، البوابة العربية لعلوم الإعلام والاتصال، 2011م.
5- عباس مصطفى صادق، “الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات”، عمان، دار الشروق، 2008م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق